يُثير بعض المشككين شُبهات حول زيارة الأربعين، ويحاولون التشكيك في هذه المسيرة الربانية التي تزداد اتساعًا عامًا بعد عام، بفضل الله تعالى. وهذا الكرنفال الحسيني المهيب جسّد للعالم أن أتباع أهل البيت عليهم السلام يستمدون قوتهم من الإمام الحسين عليه السلام، الذي رسم للأمة طريق العزة والثبات في مواجهة الظلم، كما يستمدون الأمل من الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي وعد الله أن يُظهر على يديه الدين الحق ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا.
وقد وردت زيارة الأربعين في مصادر شيعية معتبرة؛ فقد روى شيخ الطائفة الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتاب تهذيب الأحكام (ج 6، ص 125-127)، وهو أحد الكتب الأربعة عند الإمامية، وكذلك في كتاب مصباح المتهجد (ص 788)، بسنده عن صفوان بن مهران قال: قال لي مولاي الإمام الصادق عليه السلام: «في زيارة الأربعين تزور عند ارتفاع النهار وتقول: السلام على ولي الله وحبيبه، السلام على خليل الله ونجيبه، السلام على صفي الله وابن صفيه…» إلى آخر الزيارة.
وقد تلقّى العلماء هذه الرواية بالقبول، وأوردوا زيارة الأربعين في كتبهم، منهم: الشيخ الفيض الكاشاني في الوافي، والشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة، والشيخ محمد بن جعفر المشهدي في المزار الكبير، والسيد ابن طاووس في إقبال الأعمال، والشهيد الأول في المزار، والشيخ الكفعمي في المصباح والبلد الأمين، والعلامة المجلسي في بحار الأنوار، وغيرهم من أعلام الطائفة.
ومن المعلوم أن البحث الدقيق في الأسانيد يُعدّ أساسًا في أصول الدين والأحكام الإلزامية، أما الأدعية والزيارات والأعمال المستحبة فقد جرى عمل العلماء على قاعدة التسامح في أدلة السنن، مع ورود النصوص الخاصة في كثير منها، ومنها زيارة الأربعين.
وزيارة الإمام الحسين عليه السلام مستحبة في جميع أيام السنة، إلا أن الروايات أكدت استحبابها بصورة خاصة في العشرين من شهر صفر، حتى عُدَّت من علامات المؤمن، كما ورد في الحديث المروي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: «علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.»
ومن الشواهد التاريخية المشهورة زيارة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه لقبر الإمام الحسين عليه السلام في يوم العشرين من صفر، حيث يُنقل أنه كان أول زائر لقبره الشريف بعد استشهاده. وهكذا بقيت زيارة الأربعين من أعظم الشعائر الإسلامية، يتقرب بها المؤمنون إلى الله تعالى، كما جعل الله السعي بين الصفا والمروة شعيرةً باقية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، فكانت شعائر الله عنوانًا لإحياء الدين وتعظيم أمره، مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
مخلص ال شبيب
زيارة الأربعين بالأدلة والأسانيد
