أربعُ خلفاء وأربعةُ مواقف مختلفة

   قبل ألدخول في صلب هذا ألموضوع ألحساس، أؤكد أني لست ممن يهتم بإيقاض ألنعرات ألطائفية أو غيرها ولنا من ألمشاكل ما يكفينا. لكني وبتناولي مثل هذه ألمواضيع أريد من ألقارىء ألكريم أن يفعل دور ألعقل وألمنطق عندما يتأمل فيما يقرأ أو يسمع إن كان ذلك في تراثنا ألإسلامي أو  في غير ذلك. إن إقرار ألحق بواسطة ألعقل أو ألنص ألمقدس ألصحيح هو ما يتقبلهُ أللهُ وما يحتاجه ألإنسان للتحضر وألإزدهار. فكما على ألمسلم واجب أن يعرف ويقتدي بحياة وسيرة ألرسول ألكريم (ص) له ألحق كذلك في إستعمال عقله لقبول أو رفض ما يورثه من مرويات وقصص تدور حول حياة نبيهِ وقدوتهِ.

 

عندما نتحدث عن ألخلفاء “ألراشدين” ألأربعة وأللذين تولوا أمر ألمسلمين بعد وفاة ألرسول (ص)، نتوقع إن لهم من ألشأن وألأثر وألحضور ألقيادي وألفعال في نجاح وقيام ألرسالة ألإسلامية، ومثْلهُ يكون دورهم في حياة ألرسول، قبل أن يصبحوا خلفاءً وبغض ألنظر إن كان ذلك ألدور إيجابياً أم سلبياً. فإن كان إيجابياً فلعل ذلك يؤكد شرعيتهم في تولي مثل هذا ألمنصب ألرفيع. وإن كان سلبياً أو على ألأقل غير فعالٍ فلعل ذلك يوحي لنا إن هناك أمرٌ قد دُبر لتولي ألسلطة وإزاحة من هو أولى بها.

 

في هذه ألومضة ألسريعة أسلط ألضوء على دور هؤلاء ألخلفاء في حادثتين مهمتين تركتا أثرهما ألكبيرعلى ألإسلام وألمسلمين مباشرةً ومن أليوم ألأول حتى يومنا ألحاضر، ألا وهما وكما يسميان ب “رزية ألخميس” فيما حدث في أللحضات ألمهمة جداً ألتي سبقت وفاة ألرسول (ص) و “إجتماع ألسقيفة” ألحدث ألذي تزامن أو تلى وفاة ألرسول مباشرةً وقبل أن يتم دفنهِ. ليس ألغرض أن أبين هنا وبألتفصيل ما حدث في هاتين ألحادثتين وحسبنا إن أكثر ألمسلمين يعرفون ما لهذين ألحدثين من أثر بالغ في مسيرة ألإسلام وبغض ألنظر عما يُفهم من ذلك ألأثر إيجابياً كان أم سلبياً.

 

من ألمسلمات ألعامة وألمشتركة وألعابرة لتنوع ألأعراق وألمفاهيم ألدينية وألمعتقدات ألمجتمعية وألإلتزامات ألسياسية وغيرها إن من يسجل حضوراً واضحاً ومؤثراً في مثل حدث ألوفاة هذا هم ألمقربون جداً للمتوفى كألأهل وألمحبين وألأصدقاء وأللذين يهتمون بألوصية وألميراث وتسلم مسؤلية ألعائلة (أو ألعشيرة أو ألدولة) ومراسيم ألتَشْييع وألدفن وغيرها. وفي حالة أن يكون ألمتوفى ذو شأن عظيم كألرسول ألكريم (ص) فأصحاب ألحضور وألأثر هم مَن لهم ألدور ألريادي في ذلك ألشأن، وأُكرر هنا بغض ألنظر إن كان هذا ألدور إيجابياً أم سلبياً، حيث يكون حضورهم تعبيراً عن حزنهم وموآساتهم لأهل ألفقيد ورفيق دربهم وفي نفس ألوقت يتناقشون في أسلم ألسبل لمواصلة ألطريق في قيادة ذلك ألشأن ألمهم، وفي هذه ألحالة ألإسلام.

 

حسب إطلاعي، تؤكد ألمروياتُ ألمهتمة بألسنة وألصحابة وألتأريخ أن ألخليفة ألأول أبا بكر لم يسجل حضوراً قرب ألرسول (ص) في يوم “رزية ألخميس”، حيث كان مسافراً خارج ألمدينة ألمنورة في وقتٍ كان ألرسول يعاني أشد لحضات حياته وهو مريض لفترة طويلة قبل وفاته. لا أستطيع أن أفهم هذه ألمفارقة ألعجيبة وألمتناقضة جداً مع ما يُزعم من مكانة هذا ألرجل ألكبيرة في ألإسلام و”صحبته” للنبي ألكريم. كيف لرجل يُقال أنهُ (وألعُهدةُ على ألراوي) يتميز عن جميع ألصحابة بلقب “صاحب” رسول ألله و “ألصديق” وهو أبو “أحبُ” زوجات ألرسول (ص) لنفسهِ وألذي تبوءَ بعدها بألخلافة ألأولى أن يتغيبَ عن ألحضور في وقت إحتضار ألرسول (ص) وبدون سبب مقنع؟ ولنقل أنهُ كان ولسبب ما مجبراً على ذلك ألتغيب، لكن ألأغرب من هذا وألذي يدعو إلى ألإساءة إلى سيرةِ أبي بكر ويثير ألشك في إخلاصه للرسول ألأكرم (ص) إنهُ دُعِيَ للرجوع فوراً إلى ألمدينة بعد وفاة ألرسول مباشرة وقد رجع فعلاً، لكنه لم يكترث أن يذهب ليرى “صاحبَهُ” و”رفيق دربه” وينال شرف ألمشاركة في تجهيز ودفن نبيهِ ألكريم بل ذهب (مع عمر بن ألخطاب) مباشرة لإجتماع “ألسقيفة” ليتخاصم على مَن يتسلم “ألسلطة” على ألمسلمين!. يؤكد لنا ألموروث ألإسلامي ودفاعاً عن “ألشيخين” إن ألغرض ألأساسي من حضور ألسقيفة هو كي لا تُضَيع ألفرصة في سحب ألسلطة (ألخلافة) من يد ألأنصار ألمجتمعين حينها في سقيفة بني ساعدة، وليرحل رسول ألله (ص) من هذه ألدنيا وحيداً بغياب صحابته ألمقربين، عدا ألقليل جداً بألإضافة إلى أهل بيته ألكرام.

 

يؤكد موروثنا ألإسلامي إن لعمر بن ألخطاب دور ألبطولة في هذين ألحدثين وبدون منازع بما لهُ من حضورٍ واضح ومؤثر. ولكن ومع شديد ألأسف كان حضور هذا ألصحابي وألذي أصبح ألخليفة ألثاني وهو أيضاً أبو إحدى زوجات ألرسول (ص) كان حضوراً سلبياً جداً في كلا ألحدثين! ففي ألرزية خالف عمرُ أوامرَ ألنبي (ص) وتطاول عليهِ مما دعا ألرسول أن يطرده ومن معه من ألمكان، ولهذا سُمِيتْ هذه ألحادثة برزية يوم ألخميس. فلم يحضى عمر، وكما هيَ في حالة أبي بكر، بوداع ألرسول ولم يتشرف بمشاركةٍ في تجهيز ألنبي ألمودِع ودفنه. أما في ألحادثة ألثانية فلا يُحسد عمر على تصرفهِ ألمشين حيث لم يتصرف كألمسلم ألمؤمن ألرحيم ألأخوي مع بقية ألصحابة من ألأنصار بل كان غظاً شديداً متطاولاً على إخوتهِ في ألإسلام من ألأنصار حتى وصل به ألأمر أن يدعو لقتل ألصحابي ألكبير وسيد ألأنصار سعد بن عبادة وهو مريضاً حينها.

 

أما ما يدعو إلى ألدهشة ألكبيرة وحسب إطلاعي هو غيابُ ألخليفة ألثالث عثمان بن عفان عن ألحادثتين. لست على علم بأي سبب يذكر في غياب هذا ألصحابي “ألكبير” وصهر ألرسول (ص) ألملقب ب “ذو ألنورين” عن هذين ألحدثين ألحاسمين في تأريخ ألإسلام. أهيَ محض صدفةٍ أن يتغيب إثنين من هؤلاء “ألراشدين” ألثلاثة عن ألحضور يوم ألرزية ألكبرى بينما يسجل ألثالث حضوراً سلبياً؟ وألأشد غرابة من ذلك إن مثل هذا ألرجل ألذي يتفوق على ألكثيرين من ألصحابة بتبوئهِ ألخلافة ألثالثة لم يسجل حضوراً في إجتماع ألسقيفة أيضاً. هل ياترى كان عثمان صحابياً عادياً جداً لا يُكتَرَثُ به ولا يكتَرِثُ هو بمثل هذه ألأحداث ألمهمة؟ أم كان رجلاً ذو ميول وطموح خاصة تصب في مهامٍ وأطماعٍ قبلية “أموية” تهدفُ لملكِ وزعامةِ ألعرب وهذا ما أستطاع تحقيقه لاحقاً؟

 

أما بما يتعلق بألخليفة ألرابع وأمير ألمؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، لا يختلف إثنان من ألمسلمين إن علياً هو من كان مرافقاً للرسول (ص) وملتسقاً به طيلة حياته وخصوصاً في وقت مرضه وأحتضاره يوم “رزية ألخميس” حيث هو من تولى مسؤلية تجهيز ألنبي بعد وفاته وألصلاة عليه وتوسيده في قبرهِ. فحضوره ألإجابي ألفعال وألمشرف هذا مؤكَداً عند كل ألمسلمين وكما هو متوقع. فظمن ألمسلمات ألمذكورة أعلاه ومن ناحية ألقرابة، فعلي إبن عم ألرسول (ص) في ألدم وأخيه في ألإسلام وصهره ألوحيد وسيد بني هاشم وأهل بيت ألرسول. أما غياب ألإمام علي وأهل بيت ألنبي عن “ألسقيفة” جاء إيجابياً أيضاً ليضيف إلى مناقبهِ منقبة مشرفة أخرى. أليس من ألأخلاق ألإنسانية وألعربية وألإسلامية أن ينشغل ألمرىء بألمصاب ألجلل لسيد ألرسل ومنقذ ألعرب من جاهليتم إلى نور ألإسلام بدلاً من أن يذهب إلى سقيفة بني ساعدة ليتخاصم مع غيره من ألمسلمين على أمرِ مَنْ يتزعم مُلْكَ ألعرب بعد ألرسول (ص)؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *