الذبح العظيم: الحسين عليه السلام وميلاد دولة العدل الإلهي

قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾
(الصافات: 107)

لقد أثار المفسّرون والمفكرون كثيرًا من التأمل في هذه الآية، وذهب بعضهم إلى أن الذبح العظيم لم يكن مجرد كبش فدى به نبيّ الله إسماعيل، بل كان رمزًا لمستقبلٍ أعظم من الفداء نفسه، يتجلّى بأسمى معانيه في شخصية الإمام الحسين عليه السلام.كلُّ مشروعٍ إلهيٍّ في الأرض، لا يقوم إلا على قربانٍ عظيم،
فلا عدالة بلا تضحية، ولا هدى بلا دماء تسقي جذور الحق.
وهكذا كانت كربلاء… ليست مجرد فاجعة، بل نواةَ لدولةٍ إلهية،
دولةٍ تُؤسَّس لا على السيف والسلطان، بل على الدم الطاهر، والصبر النبوي، والحق .
إنَّ الحسين لم يُقتل لينكسر، بل قُتل ليبقى،
ولتبدأ من جسده المسفوك أطهرُ ثورةٍ في التاريخ،
ثورةٌ لا تنتهي، لأنها مشروع العدل الإلهي في الأرض،
ولأنّ كربلاء ليست خاتمة، بل بدايةٌ تتجدد في كل زمن، حتى قيام القائم المنتظر.
فكربلاء القربان الإلهي الأول، وثأر الحجة المنتظر.
فلم يكن استشهاد الحسين عليه السلام حدثًا عابرًا في التاريخ، بل كان اللبنة الأولى في بناء مشروع السماء على الأرض، مشروع العدل الإلهي، الذي لن يكتمل إلا على يد الإمام المهدي (عج)، حفيد الحسين، وحامل رايته.
لذلك، حين وقفت العقيلة زينب عليها السلام أمام جسد أخيها المقطع، لم تصرخ صرخة ثكلى، بل ارتفعت إلى مقام الرضا والتسليم، وقالت:

“اللهم تقبل منّا هذا القربان.”
هذه الكلمة المفتاح تكشف لنا جوهر كربلاء:
أن الحسين كان “قربانًا للدين”،
قُدّم لله، لا من أجل الثأر من أشخاص، بل لتبقى كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين ظلموا السفلى.
وهنا نفهم لماذا يكون شعار الإمام الحجة عليه السلام:

“يا لثارات الحسين.”
فهو لا يطلب الثأر من أشخاصٍ بعينهم ماتوا، بل يطلب الثأر من الظلم نفسه، من كل من وقف ضد الله، وضد أنبيائه، وضد القيم التي جاء بها الحسين.

إنه “ثأر للأنبياء، والمرسلين، والصالحين”، لأن الحسين كان يمثلهم جميعًا في كربلاء.
كان امتدادًا لنوح في رفض الطغيان،
ولإبراهيم في تقديم القربان،
ولموسى في التصدي للفرعون،
ولعيسى في الشهادة،
ولمحمدٍ في الرسالة.
فحين يخرج الإمام المهدي (عج)، فإنه لا يخرج فقط ليقيم دولةً سياسية،
بل ليقيم العدل الإلهي الذي بُدئ بدم الحسين، ويُختم بقيام القائم.

السيد مخلص ال شبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *