إنبوب النفط العراقي الى الأردن.. ضرورة أم خيانة؟

   لكل دولة سياسات ومواقف عامة وثابتة، تلتزم بها الحكومات المتعاقبة، وإن تعددت أساليبها في إدارة الدولة منها: حماية اراضي الدولة وسياداتها، رسم السياسات المالية والاقتصادية، الإلتزام بالمعاهدات والإتفاقيات الدولية، ووضع الخطط والبرامج التنموية والخدمية التي تحقق رفاهية المجتمع.

   العراق كما هو معلوم يعيش في محيط متعدد الإتجاهات العرقية والطائفية والسياسية والدولية، التي تحتم عليه أن يتعامل مع الجميع، وأن لا يكون حبيسا على نفسه، أو يميل مع محور ضد آخر، شرط تحقيق للمصلحة العراقية.

   لعل أبرز هذه القضايا هي علاقة العراق مع محيطه العربي، وكيفية التعامل معه من عدة أوجه.. فهناك الوضع الطائفي الذي تسبب بدعم القاعدة وبعدها داعش، فتحول العراق لساحة حرب ضد الإرهاب، وهناك الجانب القومي وعمق العراق العربي، ونظرة الأطراف العربية لعلاقتها مع العراق، كما إن هناك الجانب الإقليمي ومستوى نفوذه، وكلها ملفات يجب التعامل معها بدقة وعناية، كونها تؤثر وتتأثر أحدها بالآخر.

  لكن أغلب الملفات تذوب حينما يطغى الجانب الإقتصادي على العلاقة بين الأطراف، ويكون هناك مصالح مشتركة يسعى الجميع للمحافظة عليها، لذلك كان سعي الحكومة العراقية لمد جسور التواصل مع الدول العربية، وبالتأكيد كان أهمها مملكة الأردن وجمهورية مصر العربية.

  في نهاية عام 2012 قام السيد نوري المالكي بزيارة الأردن، وجرى خلال اللقاء تسديد ديون التجار الاردنيين قبل عام 2003، وبحث مد إنبوب نفط الى ميناء العقبة، وزيادة صادرات النفط العراقي الى الأردن، وأن هذا الانبوب سوف يسهل عمليات تصدير النفط العراقي الى الخارج، لكن أحداث عام 2014 ودخول داعش الى العراق، عطلت المضي في هذا المشروع.

   جاءت بعدها زيارة وفد التحالف الوطني برئاسة السيد عمار الحكيم، الى جمهورية مصر العربية عام 2017، وكانت الحرب ضد داعش قائمة، حيث التقى فيها الرئيس المصري السيسي ورئيس وزرائه، ورئيس الجامعة العربية أحمد ابو الغيط، كما إلتقى بشيخ الازهر الدكتور احمد الطيب، حيث وصفت هذه الزيارة بالهدف النبيل الذي جاء به السيد الحكيم، وتعهدت مصر بأخذ المبادرة لعودة العراق الى وضعه العربي، كما بحثت الزيارة موقف الأزهر من الإرهاب والتكفير، وأيضا سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين العراق وجمهورية مصر العربية، ومنها مد إنبوب نفط لمصر.

   ثم تكللت هذه المباحثات بتوقيع رئيس الوزراء العراقي السيد عادل عبد المهدي، على إنشاء إنبوب النفط الذاهب الى العقبة ومنها الى مصر عام 2019، في إجتماع ثلاثي في القاهرة ضم ايضا ملك الاردن عبدالله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إضافة الى إنشاء مدن صناعية وأسواق حرة بين البلدان الثلاثة.

رب سائل يسأل لماذا يريد العراق مد إنبوب للنفط مع الأردن ومصر؟

لابد أن نعلم إن أي دولة نفطية، يجب أن تكون حريصة على أن تمتلك مرونة في تصدير منتجاتها النفطية، وسرعة وصولها الى الاسواق بأسرع وقت وأقل الكلف، كما عليها أن تستخدم قوتها الإقتصادية في دعم علاقاتها السياسية، لا سيما مع الدول المجاورة لها، أو تلك التي تربطها بها علاقات إقليمية وإستراتيجية، لذلك فإن إنبوب النفط العراقي الذاهب الى الاردن ومصر سيحقق الآتي:

أولا: هذا الإنبوب سيخلص العراق من الضغط التركي على صادراته النفطية ومساومته في ملف المياه، وإذا قلنا أن الأردن لديه علاقة مع إسرائيل، فتركيا علاقتها أقوى وبينهما سفارات متبادلة، وعلاقات إقتصادية وملفات أمنية مشتركة.

ثانيا: هذا الإنبوب سيجعل النفط العراقي يصل الأسواق الأوربية بصورة أسرع من موانئ البصرة، وسيوفر مناورة للحكومة في التصدير، إذا ما حصلت أزمة في الخليج أو في مضيق هرمز، ويوفر كميات إضافية إذا ما أراد العراق زيادة صادراته النفطية.

ثالثا: النفط العراقي الواصل الى مصر هو بديل عن النفط السعودي، مما يخلص مصر من الضغط الإقتصادي والسياسي السعودي، ويجعل مصر حليفا إقتصاديا وسياسيا للعراق، وهي دولة ذات تأثير كبير على الواقع العريي، ومؤثرة في قرارات الجامعة العربية.

رابعا: في أيام الحرب على الأرهاب، إنخفضت الصادرات العراقية بسبب سيطرة داعش على إنبوب النفط الذاهب الى تركيا، وسوء الأحوال الجوية في الخليج، في الوقت الذي كانت تصرف فيه الحكومة 70 مليون دولار يوميا في الحرب، مما جعلها في مأزق إقتصادي خانق.

إن إدارة الدولة وتنمية مواردها الإقتصادية وتعميق علاقاتها السياسية، يجب أن تكون بعيدة عن العواطف والشعارات الفارغة، وأن مصلحة العراق تتطلب أن تكون له إستراتيجية واضحة نحو واقعه الإقليمي إقتصاديا وسياسيا،  تحقق له نفوذا سياسيا بدعم قوة إقتصاده وثرواته النفطية، فكما إن القوة مؤثرة فإن الإقتصاد أكثر تأثيرا وأشد نفوذا.

 

  • Related Posts

    قصة قصيرة/ عبيد الدينار

    بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح المتنبي طمأنينة العابرين – شارع المتنبي الخالد – التقيَت خُطانا مع صديقي “أبو عمار”، ذلك…

    حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش

    في زحام الشوارع ووسط صخب الأسواق، وفي تلك اللحظات الفاصلة بين رصيف وآخر، لم تعد الفتاة العراقية تمشي بخطوات آمنة بل أصبحت تسير وكأنها تعبر حقل ألغام مميت تتطاير حوله…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    تتذكّر قبل ١١ سنة؟

    • من asgp
    • أكتوبر 24, 2026
    • 40 views
    تتذكّر قبل ١١ سنة؟

    نقص فيتامين D مرتبط بمرض السكري والسمنة

    • من asgp
    • أكتوبر 16, 2026
    • 35 views
    نقص فيتامين D مرتبط بمرض السكري والسمنة

    تمارين مكثفة لـ3 دقائق قد تمنح الجسم فوائد صحية لافتة

    • من asgp
    • أكتوبر 5, 2026
    • 335 views
    تمارين مكثفة لـ3 دقائق قد تمنح الجسم فوائد صحية لافتة

    قصة قصيرة/ عبيد الدينار

    • من asgp
    • سبتمبر 26, 2026
    • 11 views
    قصة قصيرة/ عبيد الدينار

    ما هو سبب وفاة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام؟

    • من asgp
    • سبتمبر 21, 2026
    • 12 views
    ما هو سبب وفاة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام؟

    من مدينة بانكستاون في سيدني ‼️

    • من asgp
    • سبتمبر 19, 2026
    • 11 views
    من مدينة بانكستاون في سيدني ‼️